إسلام عوض يكتب: التحالف المصري-السعودي. “الظهير العربي” ومعركة إنقاذ دمشق
تقف سوريا اليوم على حافة التاريخ، في لحظةٍ فارقة تتصادم فيها إرادة الانبعاث مع إرثِ الرماد، فبينما تتهاوى القوالب الصلبة لسلطةٍ غابرة، تبرز ملامح “سوريا الجديدة” تحت قيادة أحمد الشرع في مرحلة انتقالية ليست مجرد تبديلٍ في الوجوه، بل هي محاولةٌ مضنية لإعادة صياغة مفهوم “الدولة” وسط حقل ألغامٍ جيو-سياسي شديد التعقيد.
السيادة في مِهاد “الهندسة الصهيونية”
في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية، انتقل المخطط من “المراقبة” إلى “الهندسة الجغرافية” النشطة عبر مشروع “ممر داوود”، تسعى تل أبيب لتحويل الأرض السورية إلى “دولة سيولة” عبر تثبيت مواقع عسكرية دائمة تضمن بقاء سوريا في حالة “شللٍ سيادي”، ورغم هذه الضغوط، تخوض القيادة الانتقالية بدمشق مفاوضات شاقة، بظهير عربي صلب، لإلزام إسرائيل بـ اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، كمسار وحيد لوأد المحاولات الصهيونية لفرض وقائع ميدانية جديدة في القنيطرة وجبل الشيخ.
استعادة الجسد السوري. معركة المركز والأطراف
شهد مطلع عام 2026 تحولاً مفصلياً في علاقة دمشق بأقاليمها؛ حيث نجحت حكومة المرحلة الانتقالية في بسط سيطرتها على حلب ودير الزور، وتُوّج ذلك بـ “اتفاق الدمج التاريخي” مع “قسد” ليعيد حقول النفط والمعابر لسيادة الدولة، وهو إنجاز وُضع لبنته الأولى بجهود وساطة مصرية – سعودية مكثفة لضمان وحدة التراب السوري ومنع “البلقنة” السياسية.
الدور المصري. حارس المؤسسات وشراكة “الند للند”
وسط هذا الإعصار، يبرز المحور المصري كجدار صدٍ بنيوي، يقود ملف “ترميم الدولة” مع التركيز على الأمن المائي والغذائي عبر نقل تكنولوجيا الري الحديثة، وهنا يجب التأكيد على أن الانخراط المصري لا يحمل طابع “الوصاية”، بل هو تجسيد لسياسة “الندية والاحترام المتبادل”، فالتاريخ سيسجل أن القاهرة كانت من أوائل العواصم التي استقبلت رئاسة الدولة السورية ببروتوكولات رسمية كاملة الأركان، معترفةً بمشروعية الإدارة الجديدة إيماناً بأن كبرياء دمشق من عظمة القاهرة.
إن الخبرات الفنية التي تنقلها المؤسسات المصرية تتم بناءً على طلب رسمي وتنسيق مباشر من دمشق؛ فهي عملية “تكامل” تهدف لتمكين السوريين من أدوات دولتهم، لا فرض إرادة عليهم، مصر ترى في القيادة السورية الحالية شريكاً والجمهورية السورية نداً سيادياً، وأي محاولة لتصوير هذا الدعم كـ “انتقاص من السيادة السورية” هي محض افتراء تذيبه الحقائق على الأرض، وبظهير روحي من الأزهر والكنيسة، تظل القاهرة الرئة السياسية والضمانة الوجدانية لدمشق وأطيافها.
النفوذ السعودي. قاطرة الإعمار والربط القاري
تمثل الرياض اليوم الضامن المالي للاستقرار باستثمارات استراتيجية تجاوزت 60 مليار ريال، ويبرز مشروع طيران “ناس سوريا” والتحول الرقمي مع stc كبوابات للعودة الدولية، والهدف الاستراتيجي هو تحويل سوريا لممر استراتيجي للتجارة والبيانات يربط الخليج بالمتوسط، مما يجعل استقرار دمشق ضرورة اقتصادية دولية وسعودية بامتياز.
استراتيجية الأنابيب والدبلوماسية المالية
تبرز سوريا كلاعبٍ طاقي جديد بربط حقولها بـ خط الغاز العربي المتجه لمصر، مما يدمج دمشق في منظومة غاز شرق المتوسط، وبالتوازي يقود التحالف العربي “دبلوماسية هادئة” في واشنطن وبروكسل للحصول على استثناءات من العقوبات الدولية لإعادة الإعمار، مقابل التزامات بملف العدالة الانتقالية.
“سياسة التحوط”. دمشق بين الشرق والغرب
لا يكتمل الإنقاذ العربي دون غطاء دولي؛ لذا تتحرك دمشق نحو موسكو وبكين بلغة “المصالح الباردة”، ففي زيارة رئيس المرحلة الانتقالية لموسكو في 28 يناير 2026، تم التأكيد على احترام الاتفاقيات السابقة وبقاء القواعد الروسية وفقاً للمصالح الوطنية وبالتوازي، تستعد دمشق لزيارة بكين لإدراج سوريا فعلياً في مبادرة الحزام والطريق.
العدالة الانتقالية وتطهير الجرح السوري
شهد أبريل 2026 انطلاق أولى جلسات محاكمة رموز النظام السابق في قصر العدل بدمشق، وبالتوازي شنت الدولة حرباً ضروساً لتجفيف منابع “الكبتاغون” وتفكيك اقتصاد الظل، مؤكدةً التزام سوريا الجديد كشريك أمني موثوق يحمي الجوار الإقليمي.
رأس المال البشري. الرهان على السوريين
إن نجاح “المظلة العربية” يُقاس بقدرتها على استعادة 30% من الكفاءات السورية المهاجرة فالتنمية التي تقودها الرياض، والترميم المؤسسي الذي تدعمه القاهرة، يهدفان لتحويل سوريا لبيئة جاذبة للعقول، وضمان عودة الكوادر لتحصين المجتمع ضد محاولات الاستلاب الهوياتي.
الرؤية الاستشرافية. سوريا 2030 و”اللامركزية السيادية”
تتجه البوصلة نحو نموذج “اللامركزية السيادية”؛ حيث دمشق القوية سيادياً، والأقاليم المرنة إدارياً، هذا النموذج هو السلاح الوحيد لإجهاض مخطط التفتيت الصهيوني، واستبدال “وحدة الخوف” بـ “وحدة المصالح” الاقتصادية الممتدة من القاهرة إلى الرياض.
إن سوريا اليوم هي “ترمومتر” الوجود العربي، والعبور نحو المستقبل يتطلب هذا الظهير العربي الصلب الذي يقطع الطريق على الأطماع الصهيونية.
التاريخ يكتب فصوله الآن: فإما انبعاثٌ كامل لسيادةٍ سورية بعباءةٍ عربية، أو بقاءٌ طويل في غرف الإنعاش الدولية.
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!