لم تكن الحرب الأمريكية-الإيرانية-الإسرائيلية الشاملة، المندلعة في الثامن والعشرين من فبراير 2026، مجرد جولة تصعيد عسكري تقليدية تعبر أجواء الشرق الأوسط صاخبة ثم تمضي؛ بل كانت زلزالاً جيوسياسياً مدمراً أعاد ترتيب أحجار الشطرنج الإقليمية على نحو غير مسبوق، واليوم، ونحن نرقب تفاصيل يومها الـ85 ومع اقتراب واشنطن وطهران من عتبة توقيع “مذكرة تفاهم” وشيكة صِيغت كواليسها عبر أروقة الوساطة الباكستانية في إسلام آباد، يبدو جلياً أن ملامح المشهد قد تبدلت إلى الأبد.
إن هذه المواجهة العنيفة التي دُشنت بقرع طبول الشراكة الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب، تنتهي اليوم على وقع “افتراق استراتيجي” صامت بين الحليفين وبصفقات واقعية خطها البيت الأبيض بمداد مصالحه المنفردة، ولتفكيك كواليس هذا الموقف بدقة عالية، يتعين علينا النفاذ إلى ما وراء غبار المعارك السطحي، واستنطاق الأبعاد الهيكلية العميقة التي جعلت من هذه الحرب علامة فارقة في تاريخ الصراعات الدولية:
متلازمة “قمرة القيادة والدرجة السياحية” (التصدع الأمريكي الإسرائيلي) لم تكمن المفاجأة الأكبر لهذه الحرب في حجم الرماد المادي المتطاير، بل في التحول الحاد والدراماتيكي الذي أصاب عصب العلاقات بين واشنطن وتل أبيب:
انفراد أمريكي بالقرار: بدأت المعارك من “غرفة عمليات مشتركة” أطلقت حملة “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury) الجوية العنيفة بمشاركة إسرائيلية مكثفة، لكن مع تدحرج كرة الثبات الميداني، تعمد دونالد ترامب إزاحة حليفه الإسرائيلي عن مقود الطائرة؛ لتجد تل أبيب نفسها فجأة في “الدرجة السياحية”، تراقب بعين القلق مفاوضات تُطبخ على نار هادئة دون أن تملك حق صياغتها.
المكالمة العاصفة والتطمين البارد: رصدت التقارير الاستخباراتية ملامح مكالمة هاتفية عاصفة جرت بين ترامب ونتنياهو حوت عتاباً ثقيلاً وتوتراً مكتوماً؛ فرغم محاولات ترامب العلنية لطمأنة الداخل الإسرائيلي، فإن كواليس صناعة القرار بالبيت الأبيض تثبت غلبة النزعة البراغماتية، ورغبة واشنطن في إبرام حسم سريع يحمي شريانها الاقتصادي، متجاوزة طموحات اليمين الإسرائيلي الجامحة نحو “حرب استئصال استراتيجية” ممتدة لا تُحمد عقباها.
الفاتورة الميدانية الصادمة وكسر التوازن الهيكلي تتحرك الدبلوماسية الجارية اليوم فوق أرضية صلبة من النتائج الميدانية القاسية التي أحدثت قطعاً عصبياً وهيكلياً في بنية النظام الإيراني: زلزال قطع رأس القيادة: لم تقف الحرب عند حدود ضرب الأذرع بالوكالة، بل استهدفت الرأس مباشرة؛ حيث أسفرت الضربات الأمريكية المركزية عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وجملة من قادة الصف الأول كوزير الدفاع عزيز ناصر زاده، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني، وقائد القوة البرية للحرس محمد باكبور، وقد أصاب هذا الفراغ القيادي المفاجئ هرم السلطة بالشلل، وألجأ “مجلس القيادة المؤقت” للهرولة نحو تسوية سياسية عاجلة.
حرب الدمار مقابل الردع الشامل: استطاع الطيران المشترك تحييد البنية الأساسية في فوردو ونطنز وأصفهان، وإغراق نحو 90 سفينة إيرانية وتضررها مع سحق 190 منصة صواريخ باليستية، وفي المقابل، أطلقت طهران “عملية الوعد الحق الثالث” عبر سيل من الصواريخ والمسيّرات الانتحارية التي ضربت 27 قاعدة أمريكية ومنشآت نفطية خليجية، مما أسفر عن شلل مؤقت وتأمين حذر للأجواء والملاحة الجوية الدولية بالمنطقة. واقعية “الصفحة الواحدة” وأزمة الاختناق البحري تأتي مسودة الاتفاق التي بلورها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتلخص معادلة “اتفاق الصدمة الواقعي”: مقايضة هرمز بالأصول: خنق إغلاق مضيق هرمز تدفق 20% من إمدادات النفط العالمية، مولداً ضغطاً هائلاً على الأسواق وإدارة ترامب، ومن رحم هذا الاختناق، وُلدت المقايضة: فتح المضيق فوراً وضمان الملاحة في الخليج وبحر عمان، مقابل إطلاق واشنطن لـ25 مليار دولار من أصول طهران المجمدة كطوق نجاة لاقتصادها المتهاوي.
تجميد النووي والملفات العالقة: تلتزم طهران كف يدها عن إعادة بناء المنشآت المدمرة، مع ترحيل الملفات الشائكة كمستويات تخصيب اليورانيوم وشبكة العقوبات إلى مفاوضات تفصيلية ممتدة تتراوح بين 30 و60 يوماً، مما يمنح جبهات الإسناد المنهكة هدنة إجبارية لالتقاط الأنفاس. معضلة الملاحقة الدولية وهواجس “التعويضات التريليونية” تحت الطاولات الدبلوماسية، برز هاجس قانوني دولي يؤرق مضاجع صناع القرار في واشنطن، ويتعلق بتبعات عسكرة الممرات المائية:
مقصلة قانون البحار العرفي: رغم عدم تصديق واشنطن على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، واجهت عملياتها الحربية في المعابر ملاحقات قانونية حثيثة من دول “الطرف الثالث” المتضررة في شرق آسيا وأوروبا، هذه القوى لوحت بطلب تعويضات مالية تريليونية جراء الأضرار الفادحة التي أصابت قطاعات الشحن والتأمين البحري العالمي.
حصانة الفيتو وصك براءة الذمة: تعين على المفاوض الأمريكي تحصين بلاده؛ إذ تدرك واشنطن أن أي إدانة من محكمة العدل الدولية (ICJ)، وإن أُجهضت تنفيذيّاً بالفيتو في مجلس الأمن، ستهز صورتها التنافسية عالمياً. لذلك، اشترطت واشنطن بنداً قاطعاً يقضي بـ”براءة الذمة وإسقاط كافة الدعاوى المتبادلة” كشرط تمرير تسوية الـ25 مليار دولار لغلق الثغرة أمام مطالبات التعويض الدولية.
الكواليس الدستورية واللوجستية الغائبة عن المشهد
إن الهرولة الأمريكية الحالية نحو صياغة تفاهمات السلام محكومة بضرورات لوجستية ومحددات تشريعية بالغة السرية: استنزاف الترسانة ومأزق البنتاغون: سربت الأوساط العسكرية تقارير تؤكد حدوث تآكل حاد ومقلق في مخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر الذكية للولايات المتحدة وإسرائيل، المنهكة بفعل سنوات الدعم الطويل لجبهة أوكرانيا، هذا العجز دفع الأركان المشتركة للضغط لإنهاء الصراع خوفاً من انكشاف الردع أمام التنين الصيني والدب الروسي.
مقصلة قانون “صلاحيات الحرب” (War Powers Resolution): اصطدم البيت الأبيض بقيد دستوري خانق؛ حيث اقتربت إدارة ترامب من نهاية مهلة الـ60 يوماً القانونية التي تلزمها بالحصول على تفويض صريح ومكتوب من الكونجرس للاستمرار بالعمليات القتالية، فكان “ إنهاء الأعمال العدائية” مخرجاً ذكياً لتفادي أزمة تشريعية داخلية.
حرب الظل الرقمية. المعركة الصامتة خلف الشاشات لم تكن نيران الصراع مادية فحسب، بل جرت خلف الشاشات حرب سيبرانية شعواء وظفتها الأطراف كأوراق ضغط استراتيجي عجلت بالتهدئة: شل البنية التحتية الإيرانية: بالتوازي مع الهجمات الجوية، نجحت الاختراقات السيبرانية الأمريكية في شل شبكات توزيع الطاقة ومحطات الوقود الإيرانية، وعطلت حركة القطارات والمطارات وأنظمة السيطرة الجمركية في الموانئ، واضعة قطاع الخدمات الإيراني في غيبوبة تامة.
الرد السيبراني والإنذار الإسرائيلي: وفي المقابل، تمكنت تجمعات القرصنة المدعومة إيرانيّاً من اختراق منظومات معلوماتية بالغة الحساسية ومستشفيات وشبكات اتصال فرعية داخل إسرائيل، مرسلةً رسالة مبطنة بأن الهجمات الرقمية قادرة على إطفاء مدن كاملة وصياغة الرعب دون إطلاق قذيفة واحدة.
سيكولوجية الجبهات الداخلية المنهكة وطوق النجاة تحت دوي الانفجارات المتتالية، تحرك الأنين الصامت للحواضن الشعبية ليعيد توجيه مسارات الحرب نحو خيارات السلام: انفجار الشارع الإيراني المكتوم: عاش المواطن الإيراني وطأة انهيار دراماتيكي للريال، وتضخماً غير مسبوق جعل السلع الأساسية بعيدة المنال، هذا القلق المعيشي ولد ذعراً شعبياً ترجمه مجلس القيادة المؤقت كإنذار أحمر باحتمال اندلاع ثورة جياع تعصف بالنظام، فصار الاتفاق طوق نجاة لا غنى عنه.
استنزاف وعزلة الداخل الإسرائيلي: وعلى الجانب الآخر، فرض انطلاق صفارات الإنذار المستمرة، ونزوح مئات الآلاف من المستوطنين هرباً من مسيّرات طهران، شللاً تاماً على قطاعات الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة، لتتحول وعود نتنياهو بـ”النصر المطلق” إلى سراب نفسي يثقل كاهل مجتمع ضاق ذرعاً بفاتورة حرب لا تنتهي.
صراع الأجنحة في طهران وعقدة خريطة (PGSA) البحرية صبت كواليس صياغة مسودة الـ14 نقطة الإيرانية الزيت على نار الخلافات السياسية العميقة في دهاليز العاصمة طهران: انقسام تيار الصدمة وبراغماتية البرلمان: تفجر صراع مكتوم بين راديكالي الحرس الثوري الرافضين للهدنة، وبين تيار رئيس البرلمان قاليباف والخارجية الذين استشعروا دنو لحظة التفكك والانهيار المالي الشامل بفعل الحظر البحري الخانق، وضغطوا للقبول بالتهدئة فوراً لإعادة صياغة جبهتهم الداخلية.
عقدة السيادة الجمركية: برز الخلاف حاداً حول تفسير بند حرية الملاحة؛ إذ حاولت طهران تمرير خارطة بحرية جديدة عبر “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA) تمتد من “كوه مبارك” حتى الفجيرة لفرض سيادة مرور وتفتيش إجباري على السفن، وهو ما جابهته واشنطن برفض مطلق، واصفة إياه بالخط الأحمر.
التوازنات الدولية. الحسابات الصينية الخفية والحزام العربي الوقائي في فضاء العلاقات الدولية، تلاقت حسابات العواصم الكبرى مع حكمة الإقليم لرسم خط النهاية لهذا الصراع: الصين والهروب من العقوبات: مارست بكين ضغطاً ناعماً وصارماً على طهران؛ فالصين التي تقتات مصانعها على نفط المنطقة، خشيت بنوكها الكبرى ومصافيها المستقلة (Teapot) شظايا العقوبات الأمريكية الثانوية، فآثرت حماية مصالحها التجارية الضخمة مع واشنطن على حساب التمادي في إسناد طهران المنهكة.
البدائل الأوروبية العاجلة: وضعت الحرب عواصم القارة العجوز في عين العاصفة جراء تعطل إمدادات الطاقة عبر هرمز، هذا الاختناق دفع فرنسا وبريطانيا لتدشين ممرات طاقة موازية عبر العمق الأفريقي والربط المتوسطي، وهو ما ترافق مع استنفار لحماية المنشآت الحيوية في قبرص من شظايا النيران. الدبلوماسية الوقائية والعواصم العربية: وهنا تجلى دور القاهرة، الرياض، الدوحة، وأبوظبي كـ”كوابح للصدمات الاستراتيجية”، حيث أدارت القاهرة قنوات اتصال بالغة الحساسية مع البيت الأبيض والوسيط الباكستاني لفرض الصيغة المرحلية للاتفاق، منطلقة من عقيدة عربية راسخة ترفض تحويل المنطقة لساحة حرب استنزاف مفتوحة تأكل الأخضر واليابس، وتحرق طموحات التنمية والبناء الاقتصادي المستدام للإقليم.
الألغام الموقوتة وهواجس “خيار شمشون الإيراني” رغم الاقتراب من التوقيع، لا يزال هذا الاتفاق التاريخي يتحرك فوق حقل ألغام استراتيجي قابل للانفجار في اللحظات الأخيرة: المغامرة الإسرائيلية المنفردة: قد تدفع المخاوف الوجودية تل أبيب لتنفيذ ضربة جراحية خاطفة في العمق الإيراني لخلط الأوراق، وتعطيل التوقيع، وإحراج الحليف الأمريكي عسكرياً.
هاجس السلاح غير التقليدي لـ”أجنحة الظل”: لعل أخطر ما سرّع خطوات واشنطن للتسوية هو تقرير سري لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، حذر من أن أجنحة راديكالية معزولة داخل الحرس الثوري، فقدت الاتصال بمركز القرار عقب الاغتيالات المتتالية، قد تعمد في لحظة يأس ميداني لتفعيل مخزونات تكتيكية من أسلحة غير تقليدية في خنادق جبلية سرية كـ”خيار شمشون الأخير”، مما جعل إنهاء الحرب ضرورة أمريكية قصوى قبل خروج النار عن السيطرة.
الرؤية الاستشرافية: ما بعد “أمتار الحسم الأخيرة” يستوي الشرق الأوسط اليوم على أعتاب واقع جديد يمكن تسميته بـ”السلم القسري الموجه بالهندسة الأمريكية”؛ حيث أثبتت واشنطن بحجم قوتها الضاربة، أنها المايسترو الوحيد القادر على لجم الحلفاء والخصوم معاً، ورسم حدود اللعبة الجيوسياسية وفق حساباتها ومقاساتها الحصرية. أما إسرائيل، فستصحو غداً على واقع أمني معقد ومرير: جبهة إيرانية منهكة، مشلولة الترسانة، وفاقدة لأيقوناتها التاريخية (وهو ما تراه تل أبيب منجزاً)، ولكنها في الوقت ذاته ستصطدم بفيتو أمريكي مباشر وصارم يمنعها من حصد “النصر المطلق”، ويجبرها على الانصياع لمعادلات التهدئة الشاملة التي صاغتها الدبلوماسية الإقليمية.
إن هذه الحرب لا تنتهي بانتصار ساحق لطرف على آخر، بل بصياغة توازنات قوى جديدة تترك جمر الصراع كامناً تحت الرماد، لتبدأ من الآن معركة دبلوماسية شرسة على مدار الـ60 يوماً القادمة، ستحدد تفاصيلها كيف يدار الشرق الأوسط الجديد بأمرٍ أمريكي مباشر وبإرادة واشنطن وحدها.
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!