الحرب رفعت أسعار النفط وأرهقت الاقتصاد. وباب المندب قد يربك العالم كله
نحتاج أن نحول اقتصادنا الاستهلاكي الريعي إلى إنتاجي تنموي
كنا نتطلع أن يقف رئيس الوزراء أمام البرلمان ويتعهد أمام النواب بأن هذه الأزمة مؤقته ويشرح التداعيات
الدبلوماسية المصرية أداءها ممتاز. ونجحنا في تفادي الانزلاق للحروب الإقليمية
العالم كله أمام ركود تضخمي عالمي إن إستمرت أحداث الخليج. وضرورة التعامل مع الأزمة بمسؤولية قصوى
أجرى الحوار- عصام الشريف
أعدته للنشر- إيمان صبري
في خضم صراعات إقليمية متصاعدة وتأثيرات اقتصادية عالمية ملموسة، يوضح الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي في حوار خاص لـ””، كيف أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة؟، وكيف أن الأحداث الأخيرة من أسعار النفط المتقلبة إلى مخاطر مضايق النفط الحيوية تؤثر على الاقتصاد العالمي قبل المحلي؟
ومن تحليل تأثير الحرب على سلاسل الإمدادات والنمو، مرورًا بتقييم الإجراءات الحكومية المصرية لمواجهة الأزمة، وصولًا إلى فرص التعافي بعد انتهاء النزاعات، يقدم “سلامة” رؤية متكاملة لمسار الاقتصاد المصري والدولي، مؤكدًا أن الفرص تكمن في قدرة الدولة على تحويل التحديات إلى خطوات تنموية استراتيجية.
وإلى نص الحوار:
بداية. ما هو التأثير الاقتصادي على العالم نتيجة هذه الحرب؟
لا يمكننا الفصل بين السياسة والاقتصاد فالإثنين وجهان لعملة واحدة، فهناك أثار حتى هذه اللحظة اقتصادية بالغة السوء على اقتصاديات العالم ككل، وتبدأ بأسعار النفط، وهي المشكلة الأساسية في مضيق هرمز وأسعار النفط وما يتعلق بها من ارتباطات.
وأنا لدي وجهة نظر لا تقتصر فقط على مضيق هرمز ولكن تمتد أيضا إلى مضيق باب المندب، ربما إيران في حربها ضد العدوان الثنائي تستخدم الأوراق الأخرى المتاحة لها، وأنا لست منحازا هنا لطرف دون آخر، وإنما الواقع يقول ربما تستخدم إيران بعض الأوراق المتاحة لها لإغلاق باب المندب من خلال دفع حلفاءها لذلك، وإذا تم إغلاق باب المندب فسيكون العالم كله في مشكلة كبيرة.
وما حدث أن السعودية على سبيل المثال، لا تستخدم أثناء الأحداث مضيق هرمز ولا باب المندب في نقل البترول، ولكنها تنقله برا عبر خط النفط الممتد لميناء ينبع على البحر الأحمر الذي يمر منه أكثر من 5 مليار برميل تقريبا، لضبط إيقاع الاسعار في العالم.
وبمجرد حديث ترامب من أيام فقط عن أسعار النفط في العالم ارتفعت، وهناك بعض التقارير تقول إنه إذا استمرت الحرب حتى نهاية إبريل ربما يرتفع برميل النفط ليصل إلى 200 دولار.
ودخول ترامب لهذه الحرب كان مؤيدا بقانون صلاحيات الحرب المؤقته والذي صدر بعد فيتنام سنة 1973، ويقضي بأن رئيس أمريكا يحق له أن يخوض حربًا لفترة معينة لا تتجاوز شهرين و15 يوم أو شهر لسحب قوات من الخارج ولكن بشريطة أن يكون قد أبلغ مجلس النواب، ولو قولنا شهرين وفقا لهذا القانون فإن ترامب ليس لديه سوى نهاية إبريل لإعلان نهاية هذه الحرب، ومن هنا فأنا متفائل بانتهاء هذه الحرب قريبا.
وهذا الحديث يحتمل معني من اثنين إما أن يكون حقق أهدافه أو أنه قد خرج مهزومًا، وبالتالي نهاية إبريل تمثل تاريخ فارق، وأعتقد أنه يجعل هناك نوع من أنواع التسارع إما في الضربات أو في إيجاد حل سلمي من خلال الوسطاء
وأثر ما حدث في كل هذا على سعر النفط في سلاسل الإمدادات، ومخاوفي أنا في هذا الموضوع هو باب المندب، فهو لا يمر منه فقط النفط القادم من مضيق هرمز ولكن أيضا تجارة الشرق بأكمله سواء من حجم التجارة البينية بين الصين وأوروبا فهو 800 مليار دولار سنويا، وإذا حدث وتأثر باب المندب بشكل أو بآخر فكل هذه أوراق تلعب بها إيران.
ومنظمة الفاو يوم الجمعة الماضي أصدرت تقرير في غاية الخطورة إذا قرأنا هذا التقرير وتقرير صندوق النقد الدولي بما يتعلق بالنمو وارتفاعات الأسعار مع انخفاض النمو كما قال صندوق النقد، فالعالم بأسره يدخل في حالة الركود التضخمي، وهو بمعني أن المجتمعات لا تنتج بالشكل الكافي وفي نفس الوقت هناك ارتفاعات في الأسعار، فالعالم يدخل في أزمة كبيرة ولابد من التعامل معها بأعلى قدر من المسؤولية والاهتمام، لكن دعني اختتم هذا الجزء وأقول أنني أتوقع أن هذه الحرب لن تزيد عن نهاية إبريل.
هل عند وجود خلاف بين أي دولتين في المنطقة نحن من ندفع تكلفة هذه الحرب؟. وما رأيك في الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا؟دعنا نقول الإجابة بشكل مختلف، لأن هذا السؤال دائما نسمعه من الشعب والجميع يسأله ويجب على الحكومة أن ترد على هذا، ولكن دعنا نرد على هذا السؤال من منظور آخر، “ما هو الشئ الذي جعلنا نصل لهذا الوضع؟”، فما وصلنا إلية الآن هو ما كنا نقوله من قبل وهو نمط الاقتصاد المصري الاستهلاكي الريعي، وليس الإنتاجي التنموي، فلم يتم تطوير نمط الاقتصاد المصري لكي يصبح إنتاجي أو أن يكون هناك اكتفاء ذاتي.
وبالتالي الاقتصاد المصري أصبح حساس جدا لأي ظروف خارجية تؤثر عليه لأنه مرتبط بالدولار، ودائما عندما نرى سعر النفط ارتفع يكون الدولار مرتفع معه، في المقابل الذهب ينخفض.
اقتصادنا معتمد على الدولار، ولابد من فك هذا الارتباط بالدولار وبالتأكيد إيرادات قناة السويس تأثرت والسياحة تأثرت، ونحن مع زيادة الأسعار دائما يحدث زيادة بالتضخم، وزيادة أشياء أخرى، فالحكومة ترفع أسعار الفائدة لمقابلة الزيادة بهذا التضخم، لذا فرفع أسعار الفائدة معناه أن هناك مزيد من زيادة العجز على الموازنة.
وربما كان هناك أشياء أخرى يجب أن تقولها لنا الحكومة أو على الأقل تقولها لمجلس النواب وهو حجم التوفير الذي سيتم من خلال هذه الإجراءات، وبالفعل أعلن وزير المالية أن هناك إجراءات تقشف أخرى على المستوى الحكومي.
الأحزاب لوُحت بمقاطعة اجتماع رئيس الوزراء ثم شاركت فيه. هل هذا المشهد يعكس ضعفًا في الموقف البرلماني أم قوةً في نفوذ الحكومة؟دعني أسأل سؤال بسيط بشكل مختلف أيضا. ما هو المطلوب من البرلمان؟، وما هو واجب الحكومة إزاء البرلمان؟، الإجابة أن من واجب الحكومة إزاء البرلمان في هذه المرحلة الخطيرة والصعبة التي نمر بها أن يأتي رئيس الحكومة لمجلس النواب ويقول بوضوح هذه خطة العمل، ويتم مناقشتها بشكل واضح وشفاف، وبناء عليه يتخذ عليه إجراءات معتمدة، وتتعهد الحكومة أمام البرلمان بأن هذه الإجراءات هي إجراءات مؤقته لحين زوال المخاطر وانتهاء هذه الفترة.
وأن يكون هناك تعهد أمام مجلس النواب بكل شئ مطلوب، فنحن لا نريد أن نقيم الإجراءات التي أتخذت بشكل مباشر إلا بعد أن نرى الحزمة كاملة، لأن الأولي بإجراء أعمال التقشف هو الحكومة قبل البدء بزيادة الأسعار على المواطن، ودعني بالمناسبة أقول إن مصر ليست الدولة الوحيدة التي تعاملت بهذه الإجراءات فهناك إجراءات تقشفية كثيرة على بعض الدول ولكن يمكن ليست بهذه الحده.
ونحن قبل أن يصل الوضع بنا إلى ما هو عليه الآن، كان الوضع بالأساس صعب، ورئيس الجمهورية نفسه تحدث وقال إن الشعب تحمل كثيرًا، لذا فلا يجب أن نأتي ونزيد القرارات والتقشفات بهذه السرعة قبل أن تعرف الحكومة عند أي نقطة تقف وتكشف للشعب ذلك، فلا يجوز بأي شكل أن تعمل الحكومة بشكل منفرد.
ما حدث في إيران وحزب الله وما يحدث في العالم بأكمله من حروب. هل هذا يؤكد على فشل نظرية عالم القطب الواحد؟لماذا ننظر للأقطاب على أنها خناقة؟، فالحقيقة أن هذه مسألة عالمية والنظرة العالمية تختلف فيها، فحكومات الدول تتنافس على إسعاد شعوبها، وليست كخناقة وإن القطب الأول يجب أن ينتصر على القطب الثاني، فهذا الخلاف وهذه الخناقة التي نشأت عبر التاريخ الإنساني، تجلت فيها بعد الحرب العالمية الثانية مع القطبين السوفيتي والأمريكي.
وعند حدوث هذا الخلاف أمريكا انفردت بالعالم، فالمسألة مسألة تقييم لأداء أمريكا بالعالم وعلاقته بمنافسين أمريكا، والحقيقة أن الواقع اليوم يقول إن أمريكا تنفرد كالقطب الواحد والوحيد بالعالم وتساندها إسرائيل، ومن ناحية أخرى الصين وروسيا وإيران جميعهم يعملون لإحداث حالة من التنمية وليس النمو، وبالتالي ربما تجبرنا الظروف إلى خيار أي معسكر لتنتمي علاقتنا.
والدليل على هذا أن دول الرباعي التي تتحرك لإنهاء الكارثة التي تحدث في الخليج، مصر، وتركيا، وباكستان، والسعودية، ليس تحالف بالشكل القديم، وإنما هو تحالف تكتيكي، وليس هناك ما يمنع تطويره لكي يأخذ شكل اقتصادي، وعلى الأقل في هذه المرحلة، وأثمن تماما أن هذا ما حدث، فالسعودية متخذه موقف رائع ولم تنزلق في الحرب بشكل مباشر وتتعامل بدرجة من الصبر الاستراتيجي وضبط النفس.
إذا توقفت الحرب بشكل نهائي. متى يبدأ الاقتصاد في رحلة التعافي؟
أتمنى أن نتعافي بسرعة، لكن هناك جانب مشرق في الأمر فنحن كنا نقول أن اقتصادنا استهلاكي ريعي ونريد تحويله لإنتاجي تنموي، فالجانب المشرق أنه بمجرد انتهاء الحرب اقتصادنا الريعي الاستهلاكي سيزدهر بشكل سريع، لأنه ببساطة السياحة ستعود، والسفن ستعود للسير في قناة السويس، ويعود الأمر بشكل جيد.
فمصر في هذه اللحظة هي ملاذ الأمن والأمان للجميع، ونحن نحتاج لتطوير البنية التشريعية، وتغيير سلوك البيروقراطية المصرية فيما يتعلق باستقبال الاستثمارات الأجنبية، وهو نفس الحديث الذي نقوله منذ عشرات السنين، الفرصة متاحة اليوم أتمني استغلالها بشكل جيد.
عند خفض الأسعار والعودة كما كنا. هل يمكن الرجوع في قرارات زيادة الأسعار؟
كنت أتمنى أن تتعهد الحكومة أمام مجلس النواب بأن هذه الإجراءات مؤقته، ونحن نحتاج تعهد رسمي، ومن المهم جدا دعوة رئيس الوزراء للحضور لمجلس النواب وتقديم رؤيته وكيف سنتعامل مع هذه الخطة، ومتى ننتهي منها، ونظرة للأمام نحو تطوير هيكل الاقتصاد المصري وتحويله من استهلاكي ريعي لإنتاجي تنموي.
هل أنت راضٍ عن أداء الدبلوماسية المصرية؟
بالطبع، راضٍ جدا عن الدبلوماسية المصرية سواء في ملف اليمن وسوريا وغزة ولبنان ثم الازمة الإيرانية، فالأداء من أفضل ما يكون، فلم تنزلق الدولة المصرية لأي معارك لا من وجهة النظر البراجماتية فقط، ولا الأخلاقية، لذلك أنا متحمس جدا للمشروع الرباعي لإنهاء أزمة الخليج بالكامل.
ومع الأسف بعض الناس ذاكرتها ضعيفة، فنحن منذ بضعة أشهر فقط كان رئيس منظمة الطاقة الدولية يوقع في القاهرة اتفاق مع إيران، فمصر تلعب دور الوسيط ولا تنحاز بشكل واضح لأي أحد، ولكن لدينا انحيازات حقيقية أخلاقية.